مقال:ارتفاع تصنيف الأردن بمستوى الدخل.. ليس نهاية القصة- مراد كتكت

05-07-2026

عمّان، الأحد 5 تموز 2026

أعاد إعلان البنك الدولي رفع تصنيف الأردن إلى فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى فتح النقاش حول العلاقة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والواقع المعيشي للمواطنين. ولا شك أن هذا التصنيف يحمل دلالة إيجابية من الناحية الاقتصادية، فهو يعكس تحسناً في حجم الاقتصاد وفق البيانات المحدثة، ويعزز صورة الأردن أمام المؤسسات المالية الدولية والمستثمرين. إلا أن الاحتفاء بهذا الإنجاز ينبغي ألا يحجب سؤالاً أكثر أهمية: هل يعني هذا التصنيف أن المستوى المعيشي للمواطنين قد تحسن بالفعل؟

لفهم هذه المسألة، لا بد من التمييز بين المؤشرات الإحصائية والواقع الاقتصادي اليومي. فتصنيف البنك الدولي لا يعتمد على متوسط دخل الأفراد أو مستوى رفاههم، وإنما على نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي وفق طريقة "أطلس"، وهو مؤشر يُستخدم لأغراض المقارنة بين الاقتصادات وتصنيفها، ولا يعكس توزيع الدخل بين السكان أو القوة الشرائية للأسر أو جودة فرص العمل المتاحة.

ومن هنا، فإن انتقال الأردن إلى هذه الفئة لا يعني تلقائياً أن دخول المواطنين قد ارتفعت أو أن مستويات المعيشة شهدت تحسناً ملموساً. فالمؤشرات الكلية قد تتحسن، ولكن في الوقت نفسه تستمر شرائح واسعة من المجتمع في مواجهة صعوبات اقتصادية متزايدة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف الحياة من سكن وغذاء ونقل وتعليم، وهي نفقات تستحوذ على الجزء الأكبر من دخل الأسر.

ولا يزال سوق العمل الأردني يواجه تحديات هيكلية مزمنة، في مقدمتها انخفاض مستويات الأجور مقارنة بكلفة المعيشة، وبقاء معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة، إلى جانب محدودية فرص العمل اللائق في العديد من القطاعات. كما أن عدداً كبيراً من العاملين يتقاضون أجوراً لا توفر لهم ولأسرهم مستوى معيشياً كريماً، الأمر الذي يجعل أي حديث عن تحسن اقتصادي غير مكتمل ما لم ينعكس بصورة مباشرة على دخول العاملين وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.

ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن انتقال الأردن إلى فئة الدخل المتوسط الأعلى لم يكن نتيجة النمو الاقتصادي وحده، بل جاء أيضاً بعد مراجعة شاملة للحسابات القومية وتحديث المنهجيات الإحصائية من قبل البنك الدولي، وهو ما أظهر أن حجم الاقتصاد أكبر مما كان مقدراً سابقاً. وصحيح أن هذه المراجعات تعكس تطوراً في جودة البيانات ودقتها، لكنها في الوقت ذاته لا تعني أن المواطنين حصلوا بين ليلة وضحاها على دخول أعلى أو أن قدرتهم الشرائية ارتفعت بالنسبة ذاتها التي ارتفع بها التصنيف.

ومن زاوية أخرى، قد يحمل هذا التصنيف آثاراً تستحق الدراسة. فارتفاع تصنيف الدولة قد ينعكس مستقبلاً على طبيعة التمويل الذي تحصل عليه من بعض المؤسسات الدولية، إذ قد تتراجع أهلية الأردن للحصول على بعض القروض الميسرة أو المنح المخصصة للدول ذات الدخول الأقل، وهو ما يستدعي العمل على تعزيز الاعتماد على الاقتصاد الحقيقي، وزيادة الأجور، وتحسين الإنتاجية، وتوسيع القاعدة الاقتصادية، بدلاً من الاكتفاء بتحسن المؤشرات التصنيفية.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في الحفاظ على التصنيف الجديد فحسب، وإنما في تحويل هذا التصنيف إلى مكاسب يلمسها المواطن في حياته اليومية. فالاقتصاد لا يقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي، وإنما بقدرته على توفير فرص عمل مستقرة ولائقة، وأجور عادلة، وحماية اجتماعية فعالة، وعدالة أكبر في توزيع ثمار النمو بين مختلف فئات المجتمع.

وفي النهاية، يبقى التصنيف الجديد خطوة إيجابية تستحق الترحيب، لكنه ليس خط النهاية، بل بداية مرحلة تتطلب سياسات اقتصادية واجتماعية أكثر قدرة على ربط النمو الاقتصادي بتحسين جودة الحياة. فنجاح أي اقتصاد لا يُقاس بالموقع الذي يحتله في جداول التصنيف الدولية فقط، وإنما بمدى شعور المواطنين بأن هذا النجاح انعكس على مستوى معيشتهم، وأمنهم الاقتصادي، وقدرتهم على بناء مستقبل أكثر استقراراً لهم ولأسرهم.