Home » سلايدر » كيف نواجه تحديات اللامساواة في الأردن؟- أحمد عوض

كيف نواجه تحديات اللامساواة في الأردن؟- أحمد عوض

نشرت، في الآونة الأخيرة، تقارير عدة تؤكد تراجع مؤشرات المساواة الاقتصادية والاجتماعية في الأردن، أهمها تقرير التنمية البشرية الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP للعامين 2023-2024، وأفاد بتراجع مؤشر المساواة الاجتماعية في الأردن بنسبة 16.4 %.

وتزامن هذا التقرير الأممي مع صدور تقرير آخر حول مؤشر المساواة الاقتصادية في العالم أصدرته مجلة الاقتصاد العالمي، ويؤشر إلى تراجع مؤشر المساواة الاقتصادية إلى 42.1 %. وقبل عامين، أشار تقرير منظمة أوكسفام إلى أن أقل من خمسة أشخاص في الأردن يمتلكون أكثر من نصف الثروة الموجودة فيه.

هذه التقارير تدفعنا إلى التفكير مليا في تحدٍّ تنموي كبير يواجهه الأردن، ولا يلقى الكثير من الأهمية من قبل حكوماتنا، التي ما تزال مصرة على تطبيق ذات السياسات التي فاقمت حالة عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية، وعمقت الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

تفاقم اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية لا يأتي صدفة، وإنما نتيجة خيارات وسياسات اقتصادية اتخذت وطبقت على مر السنين، ومن خلال الذهاب إلى خيارات اقتصادية غير عادلة لا تخدم مصالح مختلف مكونات المجتمع، إلى جانب ضعف المساءلة والحوكمة الرشيدة وضعف المؤسسات.

ولعل خريطة السياسات الاقتصادية التي أدت إلى هذا التراجع في مؤشرات المساواة الاجتماعية والاقتصادية، تمثل وما يزال يتمثل في تطبيق سياسات الضغط على الأجور وشروط العمل، وسياسات ضريبية غير عادلة، وضعف السياسات الحمائية الاجتماعية الفعالة.

من المهم الإشارة إلى أن 76 % من الإيرادات الضريبية في الأردن تأتي من الضرائب غير المباشرة، مثل الضريبة العامة على المبيعات، التي تعد من أعلى المستويات في العالم، وهذه السياسات تؤثر بشكل غير متناسب على الفقراء والطبقة المتوسطة، في حين يبقى الغني أقل تأثراً، ويطلق عليها العديد من الاقتصاديين “الضريبة العمياء”.

إلى جانب ذلك، يتضح جليا اقتصار تطبيق تصاعدية ضريبة الدخل على الطبقة الوسطى، وفرض ضريبة مقطوعة عالية على السلع الأساسية المتمثلة في المشتقات النفطية والتبغ والاتصالات، ما دفع مستويات الأسعار بشكل كبير إلى الأعلى، مع ثبات الأجور عند مستويات منخفضة.

كما أدى ضعف النمو الاقتصادي الشمولي، الذي تسببت فيه بشكل ملموس السياسات الضريبية وسياسات الأجور المذكورة أعلاه، إلى ارتفاع معدلات البطالة عند مستويات قياسية، وتوسع الأنشطة الاقتصادية غير النظامية، وتوسع العمل غير المنظم، ما أبقى ما يقارب نصف القوى العاملة خارج منظومة الضمان الاجتماعي.

جزء كبير من الخيارات والسياسات الاقتصادية التي فاقمت حالة التفاوت الاجتماعي واللامساواة الاقتصادية، جاءت في سياق اعتماد فرضية لم يثبت صحتها، وتتمثل في أن إضعاف معايير العمل، وبخاصة الأجور، سيدفع عجلة النمو الاقتصادي ويشجع الاستثمار.

وباستشراف المستقبل، فإن استمرار تفاقم حال اللامساواة من شأنه إضعاف استقرار البلاد على مختلف المستويات، والمطلوب بدء العمل على مواجهتها والحد من مخاطرها، وهذا لا يتم من خلال زيادة مخصصات المساعدات النقدية والعينية للفقراء والمعوزين فحسب، وإنما بمنع زيادة أعداد الفقراء؛ وتقيص أعدادهم في المجتمع، ما يعني زيادة الاستثمار في الحمايات الاجتماعية.

هنالك ضرورة لإعادة هيكلة النظام الضريبي ليكون أكثر تصاعدية في جانب ضريبة الدخل، وتخفيض الضريبة العامة على المبيعات، وتعزيز سياسات الحماية الاجتماعية، وتحسين شروط العمل وبخاصة الأجور. كما ينبغي التركيز على استثمارات طويلة الأمد في التعليم والصحة، وضمان أن تكون ذات جودة عالية.

في نهاية المطاف، تمثل اللامساواة في الأردن تحدياً كبيراً، ولكنها توفر أيضاً فرصة لإعادة التفكير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.

من خلال العمل المشترك والتزام الجميع بمبدأ العدالة، يمكن للأردن أن يتخطى هذه التحديات ويبني مستقبلاً أكثر إشراقاً وعدالة لجميع مواطنيه.

صحيفة الغد الأردنية، 2024/3/18