
دعت منظمات مجتمع مدني ومدافعون عن حقوق الإنسان إلى ضرورة إعادة النظر في ممارسات إدارة الديون الحالية في المنطقة العربية، ونماذج تمويل التنمية، وفق منظور قائم على حقوق الإنسان.
جاء ذلك خلال مؤتمر إقليمي نظّمه مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية على مدار يومين متتاليين، بالتعاون مع شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND) واتحاد المرأة الأردنية، وجمع نخبة من الحقوقيين وممثلين عن منظمات مجتمع مدني ومستشارين من ست دول عربية (الأردن، لبنان، مصر، تونس، المغرب، والعراق).
وهدف المؤتمر إلى توفير مساحة حوار تفاعلية بين الجهات المعنية، وسعى إلى تعزيز الإصلاحات المالية القائمة على العدالة والمشاركة والشفافية من خلال اعتماد نهج نقدي قائم على الحقوق.
وقال مدير مركز الفينيق، أحمد عوض، خلال الافتتاح إن ربط التنمية بالعدالة الاجتماعية، وبالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبالقدرة على الوصول إلى التعليم والصحة والعمل اللائق والغذاء والسكن وغيرها من الحقوق، يعد شرطًا أساسيًا لبناء مجتمعات مستقرة وقادرة على مواجهة التحديات.
وبيّن عوض أن التنمية في المنطقة العربية تعاني من قيود ثقيلة فرضتها الخيارات الاقتصادية للحكومات التي تعكس اختلال موازين القوى الاجتماعية، إضافة إلى الضغوط المستمرة على موازنات الدول العربية التي أُنهكت بسداد الديون على حساب الإنفاق على القطاعات الحيوية.
وأشار عوض إلى بعض المؤشرات الإحصائية المتاحة، موضحًا أن الدين العام في المنطقة العربية بلغ مستوى قياسيًا قدره 1.55 تريليون دولار في نهاية عام 2023، لافتًا إلى أنه ارتفع في العام ونصف الماضيين ليصل إلى ما يقارب ضعفي ونصف ما كان عليه قبل عقد من الزمن.
وكشف أن الدول متوسطة الدخل مثل الأردن ومصر ولبنان وتونس والمغرب والجزائر تتحمل العبء الأكبر من هذه المديونية، في حين أن الدول الأقل نموًا كالسودان واليمن والصومال وجيبوتي وموريتانيا تعيش تحت تهديد الانهيار الكامل رغم حصول بعضها على تخفيف محدود للديون.
وشدد عوض على أن أزمة الدين العام ليست قضية مالية بحتة، بل هي قضية حقوق إنسان في جوهرها، مؤكدًا أن تصاعد الدين العام – داخليًا وخارجيًا – يُترجم مباشرة إلى تقليص قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه مواطنيها؛ فهو ينعكس على الحق في الصحة حين تُقتطع موازنات القطاع الصحي لتسديد الفوائد، ويؤثر على الحق في التعليم حين تُخفض المخصصات المدرسية والجامعية، ويحدّ من الحق في العمل اللائق حين تعجز الدولة عن تحفيز النمو وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
من جهته، قال المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية (ANND)، زياد عبد الصمد، إن أزمة الدين العام في المنطقة العربية لم تعد قضية تقنية بحتة، بل تحولت إلى مسألة عدالة اجتماعية وحقوق إنسان، مشيرًا إلى أن تفاقم الدين العام منذ عام 2010 يعود إلى عوامل متعددة أبرزها النموذج الاقتصادي الريعي، العجز المزمن في المالية العامة، غياب العدالة الضريبية، الفساد وضعف الحوكمة، إضافة إلى شروط الاقتراض المجحفة.
وحذّر عبد الصمد من الانعكاسات الخطيرة للدين على الحقوق الأساسية للمواطنين مثل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والعمل اللائق، مؤكدًا أن خدمة الدين تستهلك جزءًا كبيرًا من الموازنات على حساب الاستثمار في الإنسان.
واقترح مجموعة من الحلول لمعالجة الأزمة، من بينها إصلاح ضريبي تصاعدي، إعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات المنتجة، التفاوض على إعادة هيكلة الديون بشروط منصفة، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، معتبرًا أن الحل الجذري يكمن في بناء اقتصاد منتج ومستدام يقلل الاعتماد على الاستدانة.
كما دعا إلى دور أكبر للمجتمع المدني والإعلام في تسليط الضوء على الكلفة الاجتماعية للأزمة المالية، وتشكيل رأي عام ضاغط من أجل سياسات أكثر عدالة وإنصافًا.
أما رئيسة اتحاد المرأة الأردنية، أمينة الزعبي، فقالت إن استمرار نهج اعتماد دول المنطقة على الاستدانة بأساليبها المتنوعة، دون إصلاح حقيقي في إدارة المالية العامة، ليس خيارًا طويل الأمد، بل تهديد مباشر لحقوق الأجيال الحالية والقادمة.
وأكدت الزعبي أن أخطر ما في أزمة الديون ليس فقط أرقامها الكبيرة جدًا، بل آثارها المباشرة على حياة الناس اليومية.
وعرض ممثلو الدول العربية الست تقاريرهم الوطنية حول الديون، بهدف نقل تجارب هذه الدول، والخروج بتوصيات من شأنها تعزيز الإصلاحات المالية القائمة على العدالة وحقوق الإنسان.
كما تخلل المؤتمر إطلاق دليلين؛ الأول حول الديون السيادية في المنطقة العربية، والثاني حول العدالة الضريبية في المنطقة العربية، وجرى نقاش موسع حولهما وإمكانية تطبيقهما في السياقات الوطنية.
وأكد المشاركون في المؤتمر على ضرورة تطوير نظام مالي أكثر عدالة في المنطقة العربية، يستعيد الكرامة الإنسانية ويكسر الحلقة المفرغة من الديون والتقشف والتهميش.
مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية مركز أردني متخصص بالدراسات الاقتصادية والاجتماعية