هواوي… عنوان مرحلة جديدة من الصراع الاقتصادي

/ / مقالات

 

أحمد عوض

ما نعیشه الآن ھو مرحلة من مراحل احتدام الصراع بین أقوى دولتین تتنافسان على زعامة العالم بكل ما تعنیه كلمة صراع من معاني، بین الولایات المتحدة التي أحكمت سیطرتھا اقتصادیا وعسكریا وسیاسیا على العالم منذ انتھاء الحرب العالمیة، وبین الصین الدولة الصاعدة بقوة وبسرعة لتحتل ھذه المكانة.

وما قصة القیود (المترددة) التي فرضتھا الولایات المتحدة على عملاق صناعة التكنولوجیا الصینیة (ھواوي) مؤخرا، سوى واحدة من الأدوات التي تستخدمھا كخطة استباقیة لإعاقة النمو المتسارع للقوة الصینیة متعددة الأوجه، سبقھا فرض رسوم جمركیة على العدید من السلع الأمیركیة، في إطار ما یطلق علیه بالحرب التجاریة.

الولایات المتحدة تدرك في الوقت الراھن – وأكثر من أي وقت مضى- أن المستقبل في ظل ھذا التنامي المتسارع للاقتصاد الصیني لیس لصالحھا، لذلك تضع العراقیل لتأجیل الوصول الى ھذا الحالة.

مظاھر واشكال ھذا الصراع متعددة، والادراك الیقیني لدى مختلف مراكز التفكیر والبحث الرسمیة والمستقلة داخل الولایات المتحدة وخارجھا، أن ھذه القوة سیرافقھا تنام كبیر للقوة العسكریة والسیاسیة الصینیة بحكم الضرورة.

القیود التي تستھدف عمل شركة (ھواوي)، وضع عراقیل أمام الإنجازات السریعة التي حققتھا ھذه الشركة، التي لم تعد ”صاعدة“ في عالم تكنولوجیا الاتصالات، والأمر لا یقف عند سوق الھواتف النقالة فقط، بل كذلك أسواق ”الخوادم“ وغیرھا من أجھزة تكنولوجیا الاتصالات المختلفة، وبدأت تحكم سیطرتھا على تكنولوجیا الجیل الخامس من الاتصالاتG5 .

والأمر لا یتعلق فقط في عرقلة خطوات شركة ”ھواوي“ السریعة لاحتلال المركز الأول خلال فترة زمنیة قریبة جدا لمبیعات أجھزة الھواتف النقالة على المستوى العالمي، لتخلف وراءھا شركتي ”سامسونج“ الكوریة و”آیفون“ الأمیركیة، بل ھو أیضا مرتبط في سیطرة ھذه الشركة على تكنولوجیا الاتصالات في العالم بما یحمله ذلك من فتح الأبواب أمام الصین لإحكام نفوذھا السیاسي والأمني على العالم، الأمر الذي تعتبره الولایات المتحدة تھدیدا لأمنھا القومي.

وقد سبق ذلك خطوات استباقیة أخرى تھدف الى عرقلة النمو المتسارع للقوة الصینیة الصاعدة، أبرزھا فرض رسوم جمركیة على السلع المستوردة من الصین وبعض الدول الأخرى، إلى جانب الحد من سیطرة السلع الصینیة على السوق الأمیركیة المحلیة.

المؤشرات المتاحة تفید أن التوسع الاقتصادي الصیني لا یقتصر على التجارة فقط، بل توسع وما زال یتوسع بشكل ملموس في مجال الاستثمارات الخارجیة في مختلف انحاء العالم.

لا أحد یستطیع التنبؤ بمآلات ھذا الصراع المحتدم واشكاله، ویبدو أن كل طرف یتعامل معه بحذر شدید، ولا یرغب في تحویله الى صراع عسكري، حتى في ظل إدراك مراكز اتخاذ القرار الأمیركي أن الانفاق العسكري الصیني في تزاید مستمر، الى جانب إدراكھم أن القوة الاقتصادیة ستمیل لترجمة نفسھا في وقت ما (قریب) إلى قوة عسكریة وسیاسیة، وأن ذلك سیؤثر بالضرورة على التفرد الأمیركي في قیادة العالم.

في اطار ھذه الدینامیات، علینا أن نراقب وندرس التداعیات على مستقبل اقتصاداتنا، بحیث یتم تعزیز متانة الاقتصاد والمحافظة على استقراره في ظل ھذا العالم المعولم، بما في ذلك تقلیل التأثیرات السلبیة لھذا الصراع وتداعیاته.

صحيفة الغد الأردنية، 2019/7/15