Home » مقالات » سؤال الاقتصاد في احتجاجات “كازخستان”

سؤال الاقتصاد في احتجاجات “كازخستان”

أحمد عوض

بالرغم من التفاعلات الدولية لما حدث في “كازخستان” وتصارع المواقف تجاه ما يجري في هذا البلد القابع في قلب آسيا الوسطى، إلا أن الثابت الوحيد في تعقيدات الوضع يتمثل في أن هذا البلد الغني جدا بالموارد الطبيعية المختلفة، يقوم باعتماد خيارات في مساراته السياسية والاقتصادية وصلت حد خنق المجتمع “الكازخي” اقتصاديا وسياسيا.
وحالة الاختناق هذه، هي التي دفعت جموع المحتجين إلى الخروج إلى الشوارع لتقول “لا” لاستمرار الأوضاع على ما هي عليه؛ حيث التفاوت الاجتماعي الكبير، واللامساواة الاقتصادية التي أنشأت حالة من الظلم الاجتماعي والاقتصادي للغالبية الكبيرة من مواطني هذا البلد الغني بالموارد.
قلنا، وما نزال نقول، إن المحركات الأساسية لتضعضع الاستقرار الاجتماعي والسياسي في مختلف دول العالم هي الظروف المعيشية للمواطنين، لأن الناس لا يستطيعون الصبر إلى الأبد، والحلول غير السياسية وغير الاقتصادية لا يمكن لها أن تضمن استقرار أي بلد كان. وحالات عدم الاستقرار هي التي تفتح الأبواب للتدخلات الخارجية بمختلف أنواعها.
أكبر نكتة مأساوية يمكن أن تصدق في عالمنا، أن يجري اتهام المظلومين والجوعى والضحايا بأنهم أدوات لقوى خارجية تهدف إلى تخريب البلاد، وبهذا المنظور يمكن الوقوف على ما يجري في “كازخستان”؛ حيث يستسهل المسؤولون الرسميون هناك توزيع الاتهامات على المحتجين، غاضّين الطرف عن الأسباب الحقيقية للاحتجاج، وقد تفجرت أخيرا جراء قرار الحكومة رفع أسعار الغاز المسال.
رافق ذلك حالة انسداد واستبداد سياسي كبيرين، إذ جرى إفراغ المؤسسات السياسية “الكازخية” كافة من محتواها وأدواتها التي كان يمكن لها أن تلعب أدوارا في حفظ التوازنات الاجتماعية التي تحمي البلاد من الانزلاق إلى هذا المستوى الكبير من الفوضى وعدم الاستقرار.
التضييق حد الاختناق على الحريات العامة بمختلف أنواعها في كازخستان وفر بيئة ملائمة لتتحول واحدة من أغنى الدول في الموارد الاقتصادية الطبيعية من نفط وغاز ويورانيوم وغيرها، إلى بلد ينتشر فيه الفساد، وتسيطر مجموعة قليلة جدا على موارد الدولة، ووصل الظلم الاجتماعي إلى مستويات لا يمكن تحملها، ليندفع الناس إلى الشوارع للمطالبة بتغيير أوضاعهم والمطالبة بالعدالة الاجتماعية.
وللتذكير، فإن الناتج المحلي الإجمالي في كازخستان تضاعف 16 مرة خلال العقدين الماضيين، وتم التعامل مع ذلك من قبل بعض المؤسسات الدولية بوصفه “معجزة اقتصادية”. وهذا يبعث برسالة واضحة، أن النمو الاقتصادي وحده غير كاف لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، بل يجب أن ترافقه سياسات لإعادة توزيع الثروات بشكل عادل، ولتنعكس على المستويات المعيشية لجميع المواطنين.
في هذا البلد الغني جدا بالثروات، أدى الاستبداد السياسي والخيارات الاقتصادية إلى أن تتآكل القوى الشرائية للمواطنين لتصل إلى مستويات صعبة جدا، واقتربت معدلات الفقر فيها إلى ما يقارب 15 بالمائة.
الخلاصة، إن الحفاظ على أمن أي دولة واستقرارها، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تمكين المواطنين من التمتع بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، وأن تنعكس المؤشرات الاقتصادية الكلية “البرّاقة” على تحسين حياة الناس، وهذا لن يتحقق إلا إذا تمكن المواطنون من التمتع بالحريات السياسية التي ستمكنهم من وضع حد للفساد الذي ينهب مواردهم ويحرمهم كريم العيش. ولكن يبدو أن أحدا لا يريد أن يتعلم الدرس.

صحيفة الغد الأردنية، 2022/1/10