الخروج من مأزق البطالة المرتفعة

/ / مقالات

أحمد عوض
لم تكن مؤشرات البطالة للربع الأول من العام الحالي مفاجئة لمختلف المراقبین والمتابعین المستقلین للسیاسات الاقتصادیة بشكل عام وسیاسات العمل بشكل خاص التي تطورھا وتنفذھا الحكومة.
وصول معدلات البطالة الى 19%، وبین النساء 29%، وبین الشباب من الفئة العمریة 20- 24 عاما من غیر الجالسین على مقاعد الدراسة 39 %، نتیجة طبیعیة لعدم فاعلیة مختلف ھذه السیاسات.
مؤشر البطالة كأحد أھم المؤشرات الاقتصادیة التي تقیس تعافي الاقتصادات الوطنیة، یؤشر بوضوح على أن الاقتصاد الوطني لیس بخیر، باعتبار أن تولید فرص العمل الكافیة ھو نتاج مختلف السیاسات الاقتصادیة الكلیة والقطاعیة التي طبقتھا الحكومات بما فیھا الحكومة الحالیة.
یستسھل العدید من المسؤولین الحكومیین تحمیل عبء ارتفاع مؤشرات البطالة الى الظروف الإقلیمیة الصعبة، التي تحول دون دفع عجلة الاقتصاد الأردني للخروج من حالة التباطؤ التي یعیشھا منذ سنوات، ونحن لا ننكر صحة جانب من ھذه الفرضیة، ولكن الركون الیھا وحدھا لا یفسر المسار التصاعدي الكبیر لمؤشرات البطالة.
لم تخرج سیاسات مكافحة البطالة الحكومیة منذ أكثر من عشر سنوات على دائرة حملات التشغیل ومعارضھا، وعلى مشاریع التشغیل التي تعتمد على تدریب الشباب والشابات على المھارات اللازمة لشغل عشرات المھن التي تعمل فیھا العمالة المھاجرة (الوافدة)، وآخرھا ”برنامج خدمة وطن“ الذي بدأته الحكومة الحالیة في بدایة العام الحالي.
لم تحاول الحكومات المتعاقبة بما فیھا الحالیة، الاقتراب في تدخلاتھا من المساحات التي نعتقد أن العمل على إصلاح بعض السیاسات الناظمة لھا، سیؤثر بشكل فعال على وضع حد لتنامي مؤشرات البطالة المختلفة.
من ھذه السیاسات تحفیز نمو الاقتصاد الوطني من خلال زیادة الطلب الكلي على السلع والخدمات عبر مراجعة سیاسات الأجور، والتي تشیر مختلف الإحصاءات الرسمیة إلى أنھا منخفضة جدا، ویكفي الإشارة الى أن ما یقارب 50% من القوى العاملة المنظمة دخلھا الشھري أقل من خط الفقر المطلق للأسرة المعیاریة في الأردن التي تقارب خمسة أفراد.
ھذه الدخول المنخفضة تنعكس تلقائیا على تراجع الإنفاق، وبالتالي مزید من الضغوط على النمو الاقتصادي وإبقائه في حالة تباطؤ، خاصة وأن معدلات أسعار غالبیة السلع والخدمات في الأردن أعلى من مثیلاتھا في دول أخرى مستویات الأجور فیھا أعلى كثیرا من الأردن.
إضافة الى ذلك، تأتي سیاسات التعلیم التي لعبت دورا مھما في تفاقم معدلات البطالة؛ حیث كانت وما تزال عملیات التوسع في التعلیم الجامعي منخفض الجودة على حساب التعلیم المتوسط والفني والمھني، تدفع باتجاه المزید من الخریجین الى صفوف المتعطلین عن العمل.
وما یزال التعلیم الفني والمھني في الأردن قاصرا على رفد سوق العمل بما یحتاجه من أید عاملة مؤھلة، بالرغم من كل ما كتب في الاستراتیجیة الوطنیة للتشغیل والاستراتیجیة الوطنیة لتنمیة الموارد البشریة عن أھمیة ھذا المسار. فمدخلات التعلیم المھني من الطلبة ما تزال ضعیفة جدیدة -الطلبة الذین یخفقون في تجاوز المرحلة الأساسیة بنجاح- وبالتالي فھو مسار ”موصوم“، یعزف عشرات آلاف الطلبة عن الالتحاق به.
كذلك لم تذھب الحكومات المتعاقبة بما فیھا الحكومة الحالیة باتجاه تحسین شروط العمل في القطاع الخاص -على الأقل لتتساوى مع شروط العمل في القطاع العام- لكي نخفف من اندفاع الشباب والشابات نحو الوظائف الحكومیة المختلفة، بحثا عن شروط عمل أفضل من حیث الضمان الاجتماعي والتطور والاستقرار الوظیفي والإجازات بمختلف أنواعھا.
خلاصة الأمر، بدون إجراء تغییرات ملموسة في السیاسات التي دفعت معدلات البطالة الى ھذه المستویات القیاسیة، ستستمر ھذه المعدلات بالارتفاع، وكل حكومة ستلوم الحكومة التي سبقتھا، وفي النھایة المجتمع ھو من یدفع الثمن.
صحيفة الغد الأردنية، 2019/6/10