الخروج المتعثر لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي

/ / مقالات

أحمد عوض

تبدو الخیارات كافة مفتوحة للمسارات المستقبلیة لخروج بریطانیا من الاتحاد الأوروبي، بعد فشل حكومة رئیسة الوزراء البریطانیة ”تیریزا ماي“ في تمریر صیغة الاتفاق الأخیرة مع الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي في مجلس العموم البریطاني.

حتى أن خیار إعادة الاستفتاء على الخروج أصبح قائما في ظل التعقیدات التي تواجھھا عملیة التصویت على أي اتفاق داخل مجلس العموم البریطاني، الى جانب الخیارات الأخرى مثل العودة للتفاوض مجددا مع الاتحاد الأوروبي في بروكسل، أو الخروج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق.

یأتي ذلك في إطار احتدام الصراع العالمي بین مراكز القوى الكبرى الجدیدة والمتجددة على اكتساب مزید من نقاط القوة، یساعد على تحقیق مكاسب استراتیجیة في المجالات الاقتصادیة والسیاسیة؛ حیث یتشكل عالم متعدد الأقطاب، بدیل للعالم ثنائي الأقطاب الذي سیطر على العالم لعقود، ثم العالم أحادي القطب الذي ھیمن خلال العقود الثلاثة الماضیة.

وفي ھذا السیاق، یأتي موقف أحد ھذه الأقطاب المتمثل في الاتحاد الأوروبي في عدم إعطاء بریطانیا ”جوائز“ مقابل خروجھا من الاتحاد الأوروبي، ویدفعھا لتدفع أثمانا اقتصادیة كبیرة جراء خروجھا، ولتكون خسائر بریطانیا من الخروج أكبر من مكاسبھا.

كذلك یرغب الاتحاد الأوروبي في موقفه ھذا الى الحفاظ على مصادر قوته كافة من خلال إرسال رسالة الى الدول الأعضاء في الاتحاد وشعوبھا لأجل التفكیر ملیا قبل أن تفكر بالانسحاب منه، الأمر الذي من شأنه تعزیز قدراته التفاوضیة على مسرح الصراع العالمي.

یقابل ذلك تعقیدات المشھد السیاسي في بریطانیا؛ حیث تنقسم الأحزاب البریطانیة الرئیسیة على نفسھا في محاولة لتعظیم منافعھا السیاسیة والاقتصادیة المختلفة من الخروج و/أو تقلیل خسائرھا.

فمن جانب تجد حزب المحافظین الذي تقوده رئیسة الوزراء الحالیة ”تیریزا ماي“ منقسما على نفسه أثناء التصویت، ومنھم أعضاء كانوا ضد قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي، ومنھم من لا یرغب بدفع ثمن اقتصادي مقابل الخروج. ویتقاطع ذلك مع الصراعات داخل الحزب ذاته ووجود تیار كبیر ضد رئیسة الوزراء الحالیة، الأمر الذي دفعھا للتعھد أمام أعضاء حزبھا بالتخلي عن منصبھا في حال ما دعموا الاتفاق الخاص بخروج البلاد من الاتحاد الأوروبي.

یرافق ذلك موقف حزب العمال للاتفاقات التي عرضت للتصویت على مجلس العموم، على أمل تضییق الخناق على رئیسة الوزراء من جھة، والحصول على فترة انتقالیة لمرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي تمتد لأربع سنوات أو أكثر، بحیث تبقى بریطانیا ضمن السوق الموحدة والاتحاد الجمركي والالتزام بالقوانین الأوروبیة كاملة بما فیھا حركة التنقل والعمالة في بریطانیا بدون أي شروط، من أجل إعطاء الوقت الكافي للاقتصاد والشركات البریطانیة للتأقلم مع مستجدات الانفصال عن الاتحاد.

كذلك أدى تباین مصالح مقاطعات بریطانیا الأساسیة المتمثلة في ویلز وانجلترا واسكتلندا وایرلندا الشمالیة الى تعقید العملیة أكثر؛ حیث لا یرى نواب اسكتلندا أن من مصلحتھم الخروج من الاتحاد الأوروبي، ویرى أعضاء مجلس العموم من ایرلندا الشمالیة أن من مصلحتھم الحفاظ على وجودھم في السوق الأوروبیة المشتركة والاتحاد الجمركي.

كل ھذا یدفعنا للاعتقاد أن بریطانیا ذاھبة باتجاه الخروج من الاتحاد الأوروبي بدون اتفاق، ما سیرتب علیھا تداعیات اقتصادیة كبیرة، من شأنھا إضعاف اقتصادھا، وخسارتھ العدید من میزاتھ التنافسیة، أو العودة الى إجراء استفتاء آخر على أمل أن یصوت البریطانیون خلاف ما صوتوا علیه في العام 2016.

صحيفة الغد الأردنية 2019/4/1