الحروب التجارية وإعادة بناء أسس التجارة الدولية

/ / مقالات

 

أحمد عوض

أعاد تجدد الحروب التجاریة مؤخرا بین الولایات المتحدة والمراكز الاقتصادیة الكبرى وعلى وجه الخصوص الصین -الاقتصاد الأسرع نموا في العالم- ملف حریة التجارة وما یرتبط بھا من معاییر (شروط) إلى الواجھة مرة أخرى.

ویبدو أن نظریات التجارة الحرة أصبحت على المحك الآن وقید المراجعة، وھي التي استقرت علیھا القوى الاقتصادیة الكبرى في العالم منذ عدة عقود، وقادتھا وحرصت على تطبیقھا أھم المؤسسات الاقتصادیة والمالیة الدولیة مثل منظمة التجارة العالمیة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والعدید من المؤسسات.

ولطالما تعرضت ھذه النظریات وما یرتبط بھا من معاییر مثل الغاء الرسوم الجمركیة (مع بعض الاستثناءات)، وحمایة الملكیة الفكریة وتجارة الخدمات وتنظیم المشتریات الحكومیة، تعرضت خلال العقود الماضیة لانتقادات كبیرة، باعتبارھا غیر عادلة، وأنھا كرست التفوق الاقتصادي الغربي وبعض الآسیوي على اقتصادات الدول (النامیة). وساھمت في اضعاف أیة فرص لنمو قطاعاتھا الإنتاجیة بسبب ضعف قدراتھا التنافسیة في السوق العالمي، حیث تعالت مطالب الكثیر من مفكري التنمیة وقادة بعض ھذه الدول لضرورة توفیر بعض سبل الحمایة لبعض القطاعات الإنتاجیة لحمایة مصالحھا الاقتصادیة ومصالح مواطنیھا العاملین في ھذه القطاعات.

وكان وما یزال ھذا المسار ممكنا بحدوده الدنیا في إطار ما اطلق علیه (الاستثناءات) التي یسمح للعدید من الدول الفقیرة لإعادة ترتیب أوضاعھا الاقتصادیة وتعزیز قدراتھا الإنتاجیة وخاصة في قطاعي الصناعة والزراعة، ولكن وعلى أرض الواقع قلیلة ھي الدول التي استفادت من ھذه الاستثناءات، حیث تراجعت قدراتھا الإنتاجیة أمام المنافسة غیر العادلة للسلع المنتجة في الدول المتقدمة علیھا، ما أدى إلى اضعاف قدراتھا التصدیریة أمام اغراق أسواقھا بالسلع المستوردة، الأمر الذي انعكس على تفاقم عجوزات موازین المدفوعات لدیھا، وبالتالي تزاید الحاجة إلى الحصول على قروض خارجیة لسد ھذه العجوزات.

لقد كان یتم التعامل مع نظریات حریة التجارة وما یرتبط بھا من شروط باعتبارھا واقعا لا یمكن تجاوزه، وباعتبارھا (أیدیولوجیا الاقتصاد المعاصر) خاصة بعد أن أصبحت جزء من شروط صندوق النقد الدولي لتطبیق أیة برامج إعادة ھیكلة لاقتصادات الدول التي لیس لدیھا قدرات على سداد دیونھا.

كذلك تعرضت نظریة التجارة الحرة للعدید من الانتقادات في جوانب تتعلق بحمایة الملكیات الفكریة، التي كرست في جانب منھا احتكارات الأدویة، ورفع أسعارھا بشكل أثر سلبا على قدرة الناس والحكومات على تحمل تكالیف الاستشفاء. ھذا الى جانب الشروط الأخرى ذات العلاقة بمنع تقدیم الدعم للقطاعات الاقتصادیة الإنتاجیة (الصناعة والزراعة)، والتي كبلت القدرات الإنتاجیة للدول النامیة واضعفت اقتصاداتھا، وفرضت سیاسات اقتصادیة تقشفیة على الخدمات العامة المقدمة لمواطنیھا، ودفعت حكوماتھا للانسحاب من الحیاة الاقتصادیة، واضعاف القطاعات العامة (الحكومیة)، ما أثر سلبا وبشكل كبیر على درجات تمتع مئات ملایین البشر من حقوقھم الاقتصادیة والاجتماعیة.

المختلف الآن أن المطالبة بإلغاء قواعد ومعاییر حریة التجارة تأتي من أحد أھم مراكز الاقتصاد العالمي، من الولایات المتحدة ولیس من دول العالم النامي، دفاعا عن مصالح بعض قطاعاتھا الاقتصادیة، ولمواجھة العجوزات المتتالیة في میزانھا التجاري، لصالح القوى الاقتصادیة الكبرى الأخرى مثل الصین وأوروبا وكندا وغیرھا.

نأمل أن توفر الحروب التجاریة التي بدأت مؤخرا بین المراكز الاقتصادیة العالمیة فرصا للوقوف على النتائج التي نتجت عن تطبیق التجارة ”الحرة“، وكرست ھیمنة الاقتصادات الكبرى والشركات العابرة للقارات على الدول الصغیرة والنامیة. وان تكون فرصة للوقوف على مدى استمراریة العمل وفق اسس النظام التجاري العالمي كمكون أساسي من النظام الاقتصادي العالمي، ومدى فاعلیته في تحقیق التنمیة المستدامة والحد من التفاوت الاجتماعي لیس فقط داخل الدولة الواحدة، وانما بین الدول نفسھا، إلى جانب قدرته على محاربة الفقر وتحقیق الأمن الغذائي وخلق فرص العمل بشكل كاف ولائق وعادل في مختلف أنحاء العالم.

صحيفة الغد الأردنية، 20/5/2019