الاقتصاد و”مد البحر” وحقوق الإنسان

/ / مقالات

أحمد عوض
اعتاد خبراء السیاسات الاقتصادیة استخدام مقولات ذات طابع أدبي للترویج لبعض السیاسات التي یتبنونھا ویدافعون عنھا، ومن بین المقولات الرائجة التي تم استخدامھا على نطاق واسع خلال العقود الماضیة عبارة ”المد الصاعد یرفع كل القوارب“، في إشارة الى أن أي تحسن عام في الاقتصاد الكلي للدولة أو العالم، سیؤدي بالضرورة الى تحسین أوضاع جمیع أفراد ومكونات المجتمع.
ذكرني بھذه العبارة العزیز ”جواد عباسي“، في معرض تعلیقه على جملة قصیرة وضعتھا على صفحتي الخاصة على ”فیسبوك“ الأسبوع الماضي، أشرت فیھا الى أن الاقتصاد ینبغي أن یكون في خدمة الناس ولیس العكس.
إلا أن ھذه المقولة لیست بالضرورة صحیحة، فھنالك العدید من المؤشرات التي تؤكد أن المد الصاعد یستفید منه البعض فقط، ویقابلھا مقولة أخرى لیست أقل شیوعا واستخداما تفید أن ”المد الصاعد یرفع الیخوت فقط“، في إشارة الى أن تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي لا یستفید منھا الجمیع بل فئة محدودة من الناس الممكنین للاستفادة منھا، وھنالك آخرون یغرقون بسبب ارتفاع المد في البحر.
ففي ظل غیاب سیاسات اقتصادیة واجتماعیة تعمل على تمكین أعضاء المجتمع كافة من حقوقھم الإنسانیة الأساسیة وخاصة الاقتصادیة والاجتماعیة منھا، بالتأكید سیغرق الكثیر بسبب ھذا ”المد“، وھذا للأسف ما یحصل على أرض الواقع عالمیا، حیث تفاقم التفاوت الاجتماعي بشكل صارخ وغیر مسبوق؛ إذ إن أغنى 26 شخصاً في العالم یملكون ما یعادل ثروة نصف سكان العالم، حسب التقریر الذي أصدرته الأسبوع الماضي مؤسسة ”اوكسفام“ المختصة بمكافحة الفقر والترویج للعدالة الاجتماعیة.
ولا یقتصر الأمر على التفاوت الاجتماعي بین الأفراد، لا بل ینسحب على التفاوت الكبیر بین الدول، فبسبب السیاسات الاقتصادیة غیر العادلة ”النقدیة والمالیة والتجاریة“ التي تفرضھا العدید من المؤسسات الاقتصادیة الدولیة والدول الغنیة على الدول الفقیرة، أخذت فجوة التفاوت بین الدول تتسع عاما بعد آخر.
وعلى المستوى المحلي، ولتمكین مكونات المجتمع الأردني كافة من الاستفادة من عوائد الاقتصاد ومساراته والمستقبلیة، ھنالك ضرورة لأن تعتمد الحكومات الأردنیة مؤشرات حقوق الإنسان الاقتصادیة والاجتماعیة باعتبارھا أطرا ومبادئ توجیھیة لمختلف سیاساتھا الاقتصادیة.
ففي ظل تطبیق سیاسات مالیة غیر عادلة (مثال على غیاب العدالة عن السیاسات)، حیث الارتفاع الكبیر في الضرائب غیر المباشرة (الضریبة العامة على المبیعات والضرائب الخاصة والرسوم الجمركیة) وانخفاض الضرائب على الدخل، وغیاب التصاعدیة عنھا، سیؤدي ذلك بالضرورة الى استفادة فئات محدودة فقط من عوائد الاقتصاد.
الى جانب ذلك، فإن رسم السیاسات العامة استنادا الى بعض الفرضیات الوھمیة التي ترى أن شروط العمل الضعیفة من شأنھا أن تحفز الاقتصاد، وتشجع الاستثمارات العربیة والعالمیة على التوسع، سیؤدي بالضرورة الى تعمیق التفاوت الاجتماعي، وبالتالي سیؤدي الى إضعاف الاستقرار الاجتماعي والسیاسي، ما سیؤدي الى الإضرار بمصالح مكونات المجتمع كافة؛ فقراء وأغنیاء، والتجارب في المنطقة والعالم التي تثبت ذلك عدیدة.
خلاصة القول، إنه وفي غیاب سیاسات عادلة تستند الى تمكین مكونات وأفراد المجتمع كافة من حقھم في التعلیم والصحة بمستویات جیدة، وتوسیع نطاق الحمایات الاجتماعیة والضمان الاجتماعي وشروط العمل العادلة والمرضیة، فإن حالات الانتعاش الاقتصادي وتحسین مؤشرات الاقتصاد الكلي سوف یستفید منھا عدد محدود من البشر، وستؤدي بالضرورة الى تدھور أوضاع قطاعات واسعة من المجتمع.
صحيفة الغد الأردنية، 2019/1/28