الاقتصاد الأردني و”عنق الزجاجة”

/ / مقالات

أحمد عوض
من غیر المجدي إعادة استخدام مصطلحات، اعتادت حكوماتنا على استخدامھا منذ ما یقارب ثلاثة عقود، لبث رسائل تطمینیة إلى المواطنین تفید أن الأوضاع الاقتصادیة الصعبة التي نعاني منھا حالیا مؤقتة، وسرعان ما سنخرج منھا حال تطبیق بعض السیاسات الاقتصادیة القاسیة.
ومن أكثر ھذه المفاھیم استخداما كانت ”عنق الزجاجة“ والخروج منھا، حیث اعتادت الحكومات القول إننا قریبا سنخرج من ”عنق الزجاجة“، دلالة على الخروج من الظروف الاقتصادیة الصعبة التي نعاني منھا، وسرعان ما سینطلق الاقتصاد مجددا، وسیتمتع المواطنون بعدھا بحیاة أفضل.
ھذه المقولة أصبحت مثارا للتندر بین قطاعات واسعة من الأردنیین خلال العقود الثلاثة الماضیة، ویتم التعامل معھا من قبل غالبیة المواطنین الذین دفعوا اثمانا باھظة، وما زالوا من مستویات معیشتھم خلال ھذه السنوات، باعتبارھا مقولة تحمل الكثیر من الاستخفاف بعقولھم من جانب، وبالمستوى الكریم من الحیاة الذي یجب أن یتمتعوا به من جانب آخر.
ومع ذلك، فإن مراجعة سریعة لمختلف المؤشرات الاقتصادیة والاجتماعیة خلال العقود القلیلة الماضیة، یفید أن قطاعات واسعة من الأردنیین عاشوا وما زالوا یعیشون في ”داخل الزجاجة“، لا بل في ”قعر الزجاجة“، وانه خلال الأوقات القصیرة جدا التي اقتربوا من الخروج من عنقھا، سرعان ما عادوا الى ”قاع الزجاجة“ مجددا.
وھذا لیس مفاجئا، فالمؤشرات التي یعتمدھا كبار الموظفین الحكومیین في تقییم الأوضاع الاقتصادیة والاجتماعیة، تختلف عن المؤشرات التي یعیشھا غالبیة المواطنین بمختلف تصنیفاتھم وأنواعھم من موظفین وعمال وغیرھم.
من حق كبار الموظفین الحكومیین الاحتفاء بنمو الصادرات الوطنیة بنسب غالبیتھا ناجمة عن ارتفاع أسعار المنتجات التي تم تصدیرھا، حیث یشیر الرقم القیاسي لكمیات الإنتاج الصناعي إلى زیادة قدرھا واحد بالألف (1.0%) ما بین شھر أیار (مایو) من العام الحالي 2019 مقارنة بما كان علیه في الشھر ذاته من العام الماضي 2018.
ومن حق كبار الموظفین الحكومیین الاحتفاء بزیادة الناتج المحلي الإجمالي بمقدار واحد بالألف مقارنة بالعام الماضي إذ وصل خلال الربع الأول من العام 2019 الى (2%) بینما بلغ (9.1%) خلال الربع الأول من العام 2018 والناجم بشكل أساسي عن زیادة الدخل السیاحي وتحویلات المغتربین خلال الفترة الزمنیة ذاتھا، إضافة إلى زیادة أرباح الشركات. مقابل ذلك، من حق غالبیة المواطنین أن یروا أنھم ما زالوا یعیشون في ”قاع الزجاجة“، وأن المشوار ما زال بعیدا للخروج منھا، ان لم یكن النزول إلى ”قاعھا“ أكبر في ظل إصرار الحكومة على عدم مراجعة سیاسات الأجور وخاصة الحد الأدنى لھا، وأن مؤشرات البطالة التي یعرفھا الجمیع تتنامى بشكل یثیر المخاوف والدین العام ما زال في اتجاھات صعودیة.
كذلك من حق غالبیة المواطنین أن یتلمسوا أنھم یتجھون أكثر إلى ”قاع الزجاجة“ بسبب الخیارات الاقتصادیة التي تنتھجھا الحكومة لتطبیق المزید من السیاسات ذات التأثیر السلبي على حیاة الغالبیة الكبیرة من المواطنین. فبعد التراجع الكبیر الذي شھده قانون العمل الذي تم اقراره قبل ما یقارب الشھرین وأضعف من قدرات وقوة العمال والموظفین من المشاركة في الحوار الاجتماعي حول شروط عملھم والسیاسات الحكومیة المتعلقة بحیاتھم، ھا ھي الحكومة تعمل لیل نھار لتمریر تعدیلات على قانون الضمان الاجتماعي من شأن إقرارھا الاضرار بمنظومة الحمایات الاجتماعیة للمشتركین الحالیین والمستقبلیین.
دور الحكومات لیس فقط الاحتفاء بالتحسن الطفیف لبعض المؤشرات الاقتصادیة، وعلیھا الانتباه والاعتناء أكثر بتأثیر سیاساتھا على المستویات المعیشیة للغالبیة الكبیرة من المواطنین، فھم وحدھم القادرون على الإحساس فیما اذا تحسنت المؤشرات الاقتصادیة والاجتماعیة الحقیقیة.
صحيفة الغد الأردنية، 2019/7/22