ارتباك غير مبرر حول ميثاق تعزيز الحوار الاجتماعي

/ / مقالات

أحمد عوض
یصاب المراقب بالصدمة من مواقف بعض المؤسسات الحكومیة، والتي توحي أن بوصلتھا في تقدیر مواقفھا تجاه بعض القضایا البسیطة والعادیة غائبة، وفي أحسن الأحوال مشوشة.
ھنالك حالة من الارتباك تعاني منھا وزارة العمل تجاه “میثاق تعزیز الحوار الاجتماعي” والذي دفعھا الى الامتناع عن المشاركة في الاجتماع الذي خصص للمصادقة علیه الى جانب تونس والمغرب في بروكسل/ بلجیكا في منتصف شھر آذار (مارس) الماضي، وامتناعھا بعد ذلك عن حضور الجلسة التي خصصت للمصادقة علیه وإطلاقه الأربعاء الماضي في مدینة كاشكایش/ البرتغال على ھامش مؤتمر اتحاد من أجل المتوسط.
قصة ھذا المیثاق أنه جاء نتیجة لحوارات مكثفة استمرت ثلاث سنوات في إطار مشروع تم تنفیذه من قبل أطراف الحوار الاجتماعي في ثلاث دول هي الأردن وتونس والمغرب والمتمثلة في ممثلین عن الحكومات واتحادات نقابیة عمالیة وأصحاب أعمال ومنظمات مجتمع مدني إقلیمیة ودولیة وبتمویل من الاتحاد الأوروبي.
وشارك ممثلون عن وزارة العمل الى جانب اتحاد نقابات العمال وغرفة صناعة الأردن وبعض منظمات المجتمع المدني الى جانب نظرائھم في المغرب وتونس في مختلف المناقشات التي جرت داخل الأردن وخارجه؛ حیث تبلورت عن ھذه الحوارات خلاصات تم صیاغتھا على شكل میثاق.
وتضمن ھذا المیثاق مجموعة من المبادئ التوجیھیة والإرشادات (التوافقیة) حول أولویات العمل المستقبلیة للتصدي للتحدیات التي یواجھھا العاملون وأصحاب الأعمال وتغطي مجموعة من السیاسات الاقتصادیة والاجتماعیة مثل السیاسات الضریبیة والأجور والأسعار والشراكة بین القطاعین والخاص والاقتصاد غیر المنظم وسیاسات التعلیم والتدریب المھني والتقني والحمایة الاجتماعیة والنوع الاجتماعي والعمالة المھاجرة (الوافدة) ومكافحة الفساد والفقر والعمل الھش والتغییر المناخي الى جابب التنظیم النقابي ومأسسة الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعیة.
وبررت الحكومة غیابھا عن اجتماع بروكسل، في أن مندوب الوزارة لم یتمكن من الحصول على تأشیرة دخول الى بلجیكا، أما الامتناع عن المشاركة في إطلاق المیثاق في كاشكایش/ البرتغال والمصادقة علیه، فقد تم تبریره أن اللجنة المشكلة من قبل الحكومة لدراسته وتشكیل موقف منه لم تنته بعد.
أي ارتباك وأي ضعف أكثر من ھذا؛ إذ یفترض أن الحكومة شاركت في مختلف مراحل تطویر المیثاق، خلال الأعوام الثلاثة الماضیة الى جانب حكومات المغرب وتونس، وھي التي وافقت الأربعاء الماضي على البیان الختامي للاجتماع الوزاري لدول الاتحاد من أجل المتوسط، والذي خصص لسیاسات العمل والتشغیل، وتضمن غالبیة البنود التي تضمنھا المیثاق المذكور.
ثم لماذا الامتناع عن المصادقة على مبادئ توجیھیة عامة في قضایا كان الأردن وقبل عقود قد صادق على معاھدات واتفاقیات دولیة ذات طابع الزامي في مختلف القضایا التي تضمنھا المیثاق؛ حیث صادقت دولتنا على العھدین الدولیین للحقوق المدنیة والسیاسیة والحقوق الاقتصادیة والاجتماعیة والثقافیة في العام 1976 وأصبحا جزءا من المنظومة التشریعیة الأردنیة في العام 2006 بعد نشرھما في الجریدة الرسمیة.
كذلك صادق الأردن على سبع من أصل ثماني اتفاقیات لمنظمة العمل الدولیة شكلت المبادئ والحقوق الأساسیة في العمل، ومن بینھا اتفاقیة 98 المتعلقة بالحق بالتنظیم والمفاوضة الجماعیة.
مجمل بنود المیثاق لا یخرج على التزامات الأردن في ھذه المواثیق، ولا على خطاب الدولة الرسمي في مكافحة الفساد وتعزیز الحوار الاجتماعي ومكافحة الفقر والبطالة وتحویل الاقتصاد والعمل غیر المنظم الى منظم، والحكومة تعلن بشكل دائم عن نیتھا إصلاح مختلف السیاسات، وخاصة الاقتصادیة التي أدت لغیاب المساواة والعدالة.
ما جرى یعبر بوضوح عن تراجع في قدرة العدید من مؤسساتنا الرسمیة وبعض كبار موظفیھا في تقدیر مصالح الأردن مجتمعا ودولة، ویعملون على وضع الدولة الأردنیة في مواقف دولیة ودبلوماسیة محرجة، وفي قضایا شكلت عبر العقود الماضیة مبادئ عامة في سیاسات دولتنا.
صحيفة الغد الأردنية، 2019/4/8