إنتاجية العامل الأردني وإدارة “الدكاكين”

/ / مقالات

أحمد عوض
احتلت قضیة العمل والإنتاجیة مساحة واسعة في مناقشات المواطنین عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأیام القلیلة الماضیة بعد إعلان الحكومة تعطیل المؤسسات الخمیس الماضي تحسبا لتعرض العاملین للمخاطر أثناء تنقلھم بسبب الثلوج والتجمد الذي كان متوقعاً.
ولیس سراً أن إنتاجیة العاملین الأردنیین بمختلف مستویاتھم تعد منخفضة مقارنة مع المعدلات العالمیة للإنتاجیة، والتي یقصد بھا “المخرجات الاقتصادیة للعامل”، (كتعریف مبسط)، وھو مؤشر یعكس قدرة الدولة والمؤسسات على استثمار القوى البشریة لإنتاج أكبر قدر ممكن من المخرجات الاقتصادیة.
وتظھر المؤشرات الإحصائیة العالمیة أن الأردن یحتل مرتبة متدنیة عالمیا وفق ھذا المؤشر؛ إذ جاء ترتیبه في المرتبة 116 من أصل 123 دولة شملتھا دراسة أعدتھا مؤسسة “Conference Board” الأمیركیة في 2018.
وھو أیضا یحتل مكانة متوسطة بین الدول العربیة المشمولة في الدراسة، وغالبیة الدول العربیة تتذیل قائمة دول العالم في مجال الإنتاجیة ونموھا.
وفي ھذا السیاق، فإن غالبیة المناقشات والحوارات التي تمت وما تزال بین مختلف الأوساط ّ ذات العلاقة، تستند الى فرضیات غیر دقیقة، وتحمل العاملین أنفسھم مسؤولیة ضعف إنتاجیتھم، مع أن مختلف الدراسات العلمیة المحكمة التي جرت في ھذا المجال عالمیا ومحلیا تعزو ضعف الإنتاجیة الى أسباب مرتبطة بنظم التعلیم والإدارة، على اعتبار أن إنتاجیة القوى البشریة أحد مخرجات ھذه النظم.
والغالبیة للأسف تستسھل الوصول إلى استنتاجات تؤشر إلى أن العامل الأردني “كسول” ولا یرید العمل، ویقتنص الفرص للغیاب والتعطیل عن العمل، لذلك كانت دعوات العدید من أصحاب الأعمال خلال الأیام القلیلة الماضیة وبمختلف مستویاتھم بعدم شمول العاملین في القطاع الخاص بالقرارات الحكومیة المتعلقة بالتعطیل وتربط بشكل غیر علمي بین ساعات العمل والإنتاجیة، مھملة عوامل أخرى أكثر أھمیة.
ووفق ھذه الرؤیة، نجدھم یعترضون على زیادة الإجازات السنویة والرسمیة، لا بل یعتبرون أن الأردنیین یحصلون على إجازات سنویة ورسمیة وإجازات نھایة أسبوع أكثر من غیرھم من العاملین في مختلف أنحاء العالم، وھذا غیر صحیح، لأن العدید من الدول المتقدمة علینا في الإنتاجیة یتمتع العاملون فیھا بإجازات سنویة ورسمیة وإجازات نھایة الأسبوع أكثر من الأردن.
كذلك، فإن عملیة ربط الإنتاجیة بعدد أیام العمل یجانب الحقیقة، فھنالك عوامل عدیدة أخرى تؤثر على زیادة الإنتاجیة أو تخفیضھا، لعل أھمھا یتمثل في فعالیة وكفاءة النظم الإداریة المستخدمة في المؤسسات، من ناحیة قیام الإدارات بتطویر خطط استراتیجیة للمؤسسات، وخطط تنفیذیة، ونظم رقابة، ونظم التقییم والمكافآت والحوافز.
وللأسف، فإن أعداداً غیر قلیلة من أصحاب الأعمال والإدارات العلیا في مؤسسات الأعمال لدینا، لیس لدیھم أدنى استعداد للاستثمار في تحسین نظم الإدارة والتدریب في مؤسساتھم، والتي تعد العامل الأساسي في تحسین الإنتاجیة، ویمكن تشبیه الأسالیب الإداریة التي یستخدمونھا بإدارة “الدكاكین” التي تنظر بشكل أساسي الى الربح السریع آخر النھار، أو آخر الشھر في أحسن الأحوال.
لذلك، علینا عدم تحمیل العاملین مسؤولیة ضعف الإنتاجیة في مؤسساتنا سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام، وعلینا عدم ملاحقتھم في إجازاتھم وأجورھم ومنافعھم الأخرى، ولنتوجه الى الأسباب الحقیقیة التي تؤدي الى ضعف إنتاجیتھم ومعالجتھا، ولنبدأ بتغییرات جذریة في أسالیب التعلیم والإدارة.
صحيفة الغد الأردنية، 2019/1/21